مقال: فراشة كلب طبيب لينكون - راي برادبيري








قبل عدة سنوات أتصل المُنتج ديفيد ميريك بستان فيربيرغ، والذي كان يعمل على فيلم موسيقى حول تاريخ امريكا، جلس معه وقال له: " ابعد آبراهام لينكون عن الحرب. فهو فاشل فيها."
شيء ما شبيه من ذلك حدث بالأمس. قصتي القصيرة "صوت الرعد،" التي نُشرت في مجلة "كولنر" قبل خمسون عامًا، حول مجموعة من المُسافرين عبر الزمن الذين يذهبون لرحلة صيّد الديناصورات . حُذِروا منّ أن لا يقعوا خارج المسار الذي حدد لهم السير عليه ليتجنبوا البراري، والذي إذ ما خرجوا عنه قد يغيرون الزمن أو التاريخ.

واحد من الصيادين، ذُعِر حين رأى تيرانوصور، فوقع من المسار وداس بحذائه على فراشة. وعندما عاد المسافرون عبر الزمن للمستقبل من حيث جاءوا، اكتشفوا بأنه حين داس الصياد على الفراشة فقد غير التاريخ الكامل لتطور الحشرات. حين عادوا لعام 2004، وجدوا بأن نظامًا استبدادي " ديكتاتوري" جديد قد حكم العالم.. كل ذلك بسبب تلك الفراشة التي دُهِستّ.
وهذا العام بدأت أعمل مع شركة لأنتاج الأفلام لتحويل تلك القصة إلى عمل سينمائي. المخرج والكاتب عملا سويًا على كِتابة النص لما يزيد عن ثماني عشر شهرًا. لكن فقط خلال هذا الأسبوع اخبرني المُخرج، " لماذا لا نأخذ تلك الفراشة خارج القصة؟" استمعتُ لهذه الكلمات مع ضحكات صاخبة عالية.
رباه! فكرت، ها نحن قد بدأنا من جديد! القصة قد نشرت في ثمانين انطولوجيا قصصية، وقُرأتّ من قبل الملايين من الطلاب في ألاف المدارس. لو صنع الفيلم من دون تلك الفراشة فلا بد أن ذلك سيحدث الكثير من الهرج والاعتراضات.

لحسن حظي، فقد استدعاء المُنتجون مُخرج جديد مع نص جديد وخطط جديدة، وقد اسُتِعدتّ الفراشة للعمل من جديد. وسنبدأ بتصوير الفيلم في شهر مارس.
الأن، بالنظر إلى فيلم "541 فهرنهايت" الذي اخرجه فرانسوا تورفو في عام 1966، والذي كان من بطولة أوسكار ورنر وجولي كريستي، والألحان المذهلة لبيرنارد هيرمان، الفيلم كان يفتقر للعديد من العناصر..
مؤخرًا قال لي مِيل غيبسون: " لنصنع نسخة جديدة ونجمع كل تلك الاجزاء المفقودة." ولهذا بعتُ له كامل الحقوق لـ541 فهرنهايت وكتبت نصًا واحدًا. وبعدها طالبوا بتسعة نصوص أخرى في السنوات التالية، والتي لم أشاهد منها شيئًا.

واخيرًا متجر اطالنتا للكتب ارسل لي نسخة من احدى نصوص الفيلم والذي سربوه بطريقة ما، وكتبوا لي " نظن بأنك قد ترغب في قراءة هذا."
وبعد عدة أيام من التفكير في الأمر قررتُ اخيرًا فتح النص والقراءة حتى الصفحة 45  لأعثر على مشهد حيث قائد فريق الحرائق بياتي، يزور مونتاج، رجل الاطفاء.

عندما دخل بياتي، لمنزل مونتاج، قالت له ميلدريد، زوجة مونتاج: " هل تريد أن احضر لك القهوة؟" ورد عليها قائد فريق الحرائق: " هل تغوَّض الدببة في الغابات؟"
صمت طويل. بعدها اغلقتُ النص. ولم افكر حتى بقراءة الباقية.

لحسن الحظ، وسط شعوري بالإحباط، فرانك دارابونت، مخرج "الخلاص من شاوشنك"، حصل على حقوق الرواية من مِيل غيبسون وسوف يقوم بكتابة واخراج نسخة جديدة من فيلم 541 فهرناهيت العام القادم. ووعدني بأنه لن يستعدي أي دببة لنص روايتي!
والأن، بناءًا على تجربتي مع فيلم "الرجل المرسوم"  قبل ثلاثون عامًا. بعد أنّ تأكدتُ بأن رود ستيغير وزوجته كلايرا بلوم، سيلعبون دور البطولة، بعتُ الحقوق كاملة لاستيديو "وارنر بروزwarner bros". ولم يخبرني أي احد من الوارنر بروز حول أي شيء عن اجراءات العمل. ويوم ما في صيف 1969، كان عندي عمل في استيديوات NBC مع هاري بيلافونتي والذي كُنت اكتب له عمل موسيقي مقتبس عن "بزة الأيس كريم الرائعة." انتهيت من العمل مع بيلافونتي، حدقتُ عبر الشوارع وقلت: " هناك يقبع استيديو الوارنر بروز، لما لا اذهب والقي نظرة عليهم."
ذهبتُ إلى الاستيديو لاكتشف بأن  ذلك اليوم يصادف اليوم الاول من البدء بتصوير فيلم " الرجل المرسوم،" ولا احد منهم اتعب نفسه بإبلاغي حول ذلك.. بالصدفة التقطت لي صورة مع رود ستيغر، وضعت على طاولة التجميل، بينما قاموا بالرسم على جسده. وعندما انتهى الفيلم، علمت بأن النص قد كتبه وكيل عقاري من نيو جيرسي.

 وكيل عقاري حقيقي من نيو جرسي.
تبدأ احداث النص من منتصف قِصة "الأحراش" بدلًا من البداية الفعلية، وهكذا راح كل ذلك التشويق. وبعدها عشرات الكلمات بأربعة حروف تنفجر على الشاشة. الفيلم لم يسمح بمشاهده لقرأي الصِغار والذين، ملايين منهم، قد كبروا وهم يقرأون الكِتاب في المدارس.
ليلة العرض الأول لفيلم " الرجل المرسوم،" وصلتُ لأجد صفوفًا من المعجبين خلف السياج ينتظرون لأجل كتابهم المُفضل.
سقط قلبي.
عندما انتهى عرض الفيلم، طِفل صغير نظر نحوي وصاح: " سيد برادبيري، ماذا حدث؟"
الدموع انفجرت من عيناي. وقلت: " يا عزيزي الصغير، سوف لن تعرف ابدًا ما حدث."
 هذا العام، انهيت كِتابة نص جديد لفيلم " الرجل المرسوم،" ستقوم شركة كولومبيا تيريستارColumbia TriStar  بإنتاجه. وانا فخور جدًا بالنص الذي كتبته؛ فهو لا يشبه ما كتبه وكيل عقاري من نيوجيرسي.
قبل اسبوعين استعدوني في كولومبيا تيريستار واخبروني: " ولكن يجب أن نستدعي كاتب سيناريوهات اخر ليقوم بصقله." في عقلي فكرت، أي نوع من الصقل.. أو.. التشويه؟!
أتذكر أيضًا تجربتي مع أستيدو "يونيفرسلuniversal "، قبل أربعة وخمسون عامًا عندما كتبت قصة اسمها " لقد جاءت من الفضاء الخارجي." حذرتُ الاستيديو بأن عليهم بأن لا يخرجوا الفضائيون، مخلوقات العالم الأخر، في الضوء. عِندما عرض الفيلم، رباه، ما فعلوه بجعل المخلوقات تخرج في ضوء الشمس، ليس فقط مريع بل أيضًا يدعو للضحك!

قبل سنوات مضت استيديو "تونتي سنتشري فوكس 20th Century Fox" استدعوني وطلبوا مني كتابة نص حول أميرة مصرية. ارسلوا لي نسخة مِن رواية كيلوبترا التي كتبها اميل لودفيغ وسألوا عن رأي فيها. بعد النظر لذلك المُجلد الكبير ظننت بأنه رغم كل المعرفة التي يجب أن يتضمنها، فأن القليل جدًا هو ما أعرفه حول كيلوبترا. عدتُ إلى الاستيديو واخبرتهم بما أنني لن استطيع كتابة النص لهم فهناك شخصان بوسعي اقتراحهما للعمل معهم. قالوا: " من؟"
فقلت لهم: " شكسبير و جورج برنارد شو."
صُدِم منتجي شركة "تونتي سنتشري فوكس؛" وظنوا بأنني كُنت أمزح.
قلت لهم: " أبدًا، خُدوا أنطوني وكيلوبترا التي كتبها شكسبير وضعوها مع قيصر وكيلوبترا التي كتبها برنارد شو، وربما ستحصلون على فلم عظيم لا يمحا من الذاكرة."

وليس بعد وقت طويل من ذلك، استعدوني في استديو MGM لأكتب نص حول كتابي " سجلات المريخ،" والذي توقعت بأنني بعد ثلاثة أيام من البدء على كتابة النص سوف اطرد من العمل.
في نفس ذلك الوقت كانوا أيضًا ينتجون فيلم " تمرد علي سفينة باونتي" في الاستيديو. وحصلت على فرصة لزيارة ومشاهدة صديقي السير كارول ريد، الذي كان يحاول صنع مشهد مع مارلون براندو.
كل يوم عند الساعة الخامسة مساءًا، يأتي السير كارول ريد لزيارتي في مكتبي، يغلق الباب خلفه، ويتكئ عليه ويغلق عيناه ويتنهد: " أوه يا راي، أوه يا راي!" ولم يكنّ بوسعه الحديث عن كل تلك المشاكل التي يمر بها خلال عمله على " باونتي." مع مارلون براندو.
وفي يوم ما ذهبت لزيارة الاستديو ورأيت الجميع سعداء. وقلت، لا شك بأنهم قد طردوا السير كارول ريد نتيجة لمشاكله المتكررة مع براندو وجلبوا مخرج أخر. بالتأكيد هذا ما حدث، فقد استدعوا لويس ميليستون، وبعد أيام من ذلك، بدأ رحلة الصراع مع براندو.

في منتصف كل هذه الأحداث، جاءني المنتجين وطلبوا مني أن أعدل  وأنهي كتابة نص فيلم " باونتي."  مفكرًا فيما رأيته في الاستديو أثناء العمل ومتذكرًا صديقي السير كارول ريد وهو متكئ على بابي، وعيونه مغلقة ويتنهد قائلًا: " أوه يا راي، أوه يا راي!" رفضت ذلك العرض من دون تفكير.
بعد سنوات من صدور كلا الفيلمان،  رافقتني الكثير من الكوابيس حيث رأيت زواق كيلوبترا تغرق "موتر افيون" من جهة و سفينة باونتي تغرقه من الجهة الأخرى ليصطدموا امام منزلي وتأخذان كل شيء معهما كذلك الاستيدوهات لهذان الفيلمان.

حسنًا، هذا كل شيء. هنا لذينا قصة ابراهام لينكون مع ستان فيربيرغ، متمنيًا أنّ يعيدوا لينكون للحروب الاهلية.

نشرت هذه المقالة في كتاب speaks 2005 
مقال: فراشة كلب طبيب لينكون - راي برادبيري مقال: فراشة كلب طبيب لينكون - راي برادبيري Reviewed by Roya on 8:49 ص Rating: 5

هناك تعليق واحد:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.