الرجل "قصة قصيرة" - راي برادبيري




الرجل " the man"

الكاتب: راي برادبيري

Related image


  

وقف الكابتن هارت عند باب سفينته الفضائية وسأل: «لماذا لم يأتوا؟«

قال له مارتن -مساعده الخاص: «من يعرف؟ وهل أعرف أنا، يا كابتن؟«

»ما هذا المكان، بأية حال؟«

أشعل الكابتن سيجارته. ورمي بعود الثقاب على المرج الملونّ. وبدأ العُشب بالاحتراق. فأسرع مارتن نحو النار لإخمادها بحذائه.

»لا،» أمره الكابتن بالتوقف: «دعه يحترق، ربما هذا سيجعلهم يأتون لمعرفة ما الذي يجري هنا، هؤلاء الأوغاد الجاهلين.» هزّ مارتن كتيفاه استجابة لأوامره وسحب قدمه من فوق وهج النار.

تفحص الكابتن هارت ساعته: «لقد هبطنا منذ ساعة هنا، وهل أسرع فريق من المرحبين ليصافحوا ايادينا؟ بالطبع لا! وها نحن قد عبرنا ملايين الأميال عبر الفضاء والمواطنين الساذجين لأحدى المُدِن في أحدى الكواكب الغير معروفة يتجاهلوننا!» بدأ بالتذمر والدق على ساعته. «حسنًا، سأعطيهم خمس دقائق، وبعدها»
»وبعدها ماذا؟» سأله مارتن بأدب بالغ الشدة، وهو يشاهد صبر الكابتن يوشك على النفاذ.

»سوف نطير فوق مدينتهم اللعينة من جديد ونثير خوفهم وفزعهم.» وهدأ صوته ثم واصل: «هل تعتقد، يا مارتن، بأنهم ربما لم يشاهدوا مركبتنا تهبط؟«

»لقد رأونا، لقد حدقوا للأعلى فيما كنا نطير فوقهم

»إذا لِما لم يركضوا نحونا عبر هذه المروج؟ هل يختبؤون؟ هل هم خائفين مِنا؟«

هز مارتن رأسه: «لا. خُد هذا المِنظار، يا سيدي. أنظر بنفسك. كلهم يتمشون في الارجاء. إنهم ليسوا خائفين على الإطلاق. إنهم-حسنًا، يبدو بأنهم لا يهتمون بنا فقط

وضع الكابتن هارت المنظار بقرب عيناه التعبتان. بينما تمكن مارتن من رصد التجاعيد على وجهه والتهيج فوق خداه وعلامات التعب والقلق. كما لو أنّ عمره قد تجاوز المائة عام فجاءة؛ فلم يكن ينام أبدًا، ويأكل قليلًا من كل وجبة، ولا يريح نفسه أبدًا. والأن تحرك فمه، تحت المنظار، متهجم وموحش، لكنه حاد أيضًا.

»حقًا، يا مارتن، ولما نزعج أنفسنا بهم. لقد صنعنا سفينتنا، وذهبنا خلف المتاعب عبر الفضاء، للبحث عنهم، وهذا الذي نجنيه منهم. عدم المبالاة. أنظر لكل هؤلاء الحمقى يتجولون هناك. ألم يلاحظوا كم هي كبيرة سفينتنا؟ أول سفينة فضائية تهبط على أرضهم الضئيلة. كم مرة يحدث لهم هذا؟  هل هم مغفلين؟«

لم يجد مارتن كلمة مناسبة لقولها له. أعاد له الكابتن هارت منظاره بضجر: « لماذا علينا القِيام بذلك يا مارتن؟ أقصد، السفر عبر الفضاء. نسافر دائمًا، نبحث بلا توقف. دائمًا نشعر بالتعب في اعماقنا، ولا يوجد راحة أبدًا

»ربما نحن نبحث عن الهدوء والراحة. بلا شك، لأنهما غير موجودان عِندنا في كوكب الأرض

فكر الكابتن هارت: «بلى، لا يوجد، هل يوجد؟» انطفئت النار فوق المرج لوحدها. «ليس منذ زمن داروين، صحيح؟ ليس منذ أن توقف كل شيء، كل شيء كُنا نؤمن به، صحيح؟ القدرة الإلهية وكل هذه الأمور. وهل تعتقد إننا لهذا السبب خرجنا نبحث عن الحياة في الفضاء يا مارتن؟ خرجنا نبحث عن أرواحنا المفقودة، هل هذا ما تعني؟ خرجنا بعيدًا عن الشر في كوكبنا لنجد الخير في مكان أخر؟«

»ربما يا سيدي، بلا شك خرجنا نبحث عن أمر ما.»  أبتلع الكابتن هارت ريقه ليبلل حلقه وعاد إلى حدته، «حسنًا، نحن الأن نريد العثور عن حاكم هذه المدينة، أذهب وأخبرهم بمن نكون، البعثة الأولى التي تصل إلى الكوكب الثالث وأربعين من نظام النجوم الثالث. أخبرهم بأن الكابتن هارت يرسل لهم تحية وأماني طيبة ويود مقابلة حاكمهم. بسرعة

»حاضر يا سيدي.»  وسار مارتن بتمهل عبر المروج.

صاح به الكابتن:« بسرعة

 »حاضر، حاضر!» وهرول مارتن مسرعًا. بعدها عاد للسير وهو يبتسم مع نفسه.

دخن الكابتن سيجارتان قبل عودة مارتن إليه. توقف مارتن ونظر نحو باب السفينة الفضائية، يترنح، ويبدو كما لو أنه غير قادر على تركيز عيناه في شيء معين أو التفكير.

صاح به الكابتن: «حسنًا؟ ما الذي جرىّ، هل سيأتون لترحيب بنا؟«

»لا،» وأتكئ على جدار السفينة الفضائية دائخًا.
«ولِما لا؟«
قال مارتن: «إن الأمر ليس مهم. مِن فضلك، أعطني سيجارة، يا كابتن؟» تلمس بأصابعه علبة السجائر بعشوائية، وهو يحدق نحو المدينة الذهبية من دون أن يجفل لحظة. أشعل سيجارته بهدوء ودخن لوقت طويل.
صرّخ به الكابتن: «هيا قل شيئًا، ألا يهتمون بتاتًا بسفينتنا؟«
قال مارتن أخيرًا: «ماذا؟ أوه، السفينة؟» وتفحص سيجارته.

»لا، أنهم غير مُهتمِين. على ما يبدو أننا قد جئنا في وقت غير ملائم
»وقت غير ملائم؟«

كان مارتن شاحبًا: «يا كابتن، أسمع. لقد حدث أمر مهم في المدينة. إنه حدث مُهم، مُهم لدرجة أننا وصلنا متأخرين جدًا. عليّا أن أرتاح.» فقد توازنه وجلس أرضًا، يلتقط الهواء.

مضَّغ الكابتن سيجارته بغضب. «ماذا حدث؟» رفع مارتن سيجارته، وعبر دخان السيجارة المحترقة أصابعه، مُحلقًا في الهواء. «يا سيدي، في الأمس، في تلك المدينة، ظهر رجل استثنائي-طيب، وذكي، وحنون، وحكيم للغاية

حَمَّلق الكابتن في مُساعده قائلًا: «وما شأننا نحن بهذا الرجل؟«

»من الصعب أنّ أفسر لك الأمر. لكن هذا الرجل كان هو الرجل الذي انتظروا قدومه منذ زمن بعيد على ما يبدو-ربما، منذ ملايين السنين. وبالأمس عبر خلال مدينتهم. ولهذا السبب، يا سيدي، هبوط سفينتنا اليوم، لا يعني لهم شيئًا بتاتًا
جلس الكابتن أرضًا منفجرًا: «ومن يكون هذا؟ أنه ليس "أشلي"، أليس كذلك؟ هو لم يصل بسفينته إلى هنا قبلنا، ويسرق مجدنا، لم يفعل، أليس كذلك؟» ضغط بذراع مارتن.  كان وجهه شاحب وفازع.
»ليس "أشلي"، يا سيدي

»إذن هو "بورتن"! أعرف ذلك. لقد سرق "بورتن" نجاحنا وأفسد علينا الهبوط!  لم يعد بِوسعنا منح الثقة لأي مخلوق بعد الأن

قال مارتن بهدوء: «وهو ليس "بورتن"، أيضًا، يا سيدي

وبدأ الشك يلعب برأس الكابتن: «هناك ثلاث سُفِن فضائية فقط. وقد كنا نحن في المقدمة. كيف سبقنا هذا الرجل؟ ما هو أسمه؟«

»ليس له أسِم. ولا يحتاج إلى واحد. قد يكون أسمه مُختلف في كل كوكب ينزل فيه، يا سيدي
نظر الكابتن إلي مساعده بعيون ساخرة وقاسية: «حسنًا، ما العمل الذي قام به وكان رائعًا حتى لا يهتم أحدًا بالنظر لسفينتنا؟«

قال مارتن طاردا: «عمل واحد. شفى المرضى، وساعد الفقراء. وحارب الرياء والسياسيين القذرين وجلس لجوار الناس، وتكلم معهم، طوال النهار«

»وهل هذا عمل عظيم؟«

»نعم، يا كابتن«

«لا يمكنني فهم الأمر.»  وقف الكابتن مقابلًا لمارتن، وحدق في وجهه وعيناه: «هل أنت سكران؟ هاه؟» لقد كان مُرتابًا. وتراجع خلفًا: «لا أفهم
نظر مارتن نحو المدينة وقال: «إذا لم تفهم يا كابتن، لا يوجد وسيلة أخرى بإمكاني أن أفسر لك بها الأمر
تتبع الكابتن نظرات مارتن.  كانت المدينة هادئة وجميلة ومكانًا رائعًا للعيش فيه. وقد تقدم الكابتن نحوها، وهو يسحب السيجارة من فمه. في البدء حملق في مارتن، ثم نحو مباني الأبراج الذهبية.
»أنت لا تقصد ..لا يمكنك أنّْ تعني.. وهل هذا الرجل الذي تتكلم عنه .. لا يمكن أنّ يكون..«
أومئ مارتن رأسه: «نعم، هذا ما أقصده يا سيدي
وقف الكابتن في صَمَت مُطبق، بلا حركة. ألتفت جانبًا. وقال أخيرًا: «لا أصدق هذا

*

ذهب الكابتن هارت في منتصف الظهيرة بخفة وحيوية نحو المدينة، مصطحبًا مارتن ومُساعد أخر حمل له بعد المُعدات الإلكترونية. ومن حين لأخر كان الكابتن يضحك عاليًا، واضعًا يداه على وركه ويهز برأسه مرحًا.
قابله حاكِم المدينة. ثَبَتَ مارتن منصب ثلاثي القوائم، وضع عليه جهاز على هيئة صندوق، وشغل البطاريات.
«هل أنت الحاكِم هنا؟» ووخز الكابتن عليه بأصبعه.

قال الحاكِم: «نعم أنا

انتصب الجهاز الذي أعده مارتن بينهما، فيما كان مارتن والمساعد يعملان على تشغيله. وهو جهاز لترجمة الكلمات من وإلى أية لغة أخرى. وبدتّ الكلمات هشة بينهما في الهواء اللطيف.
قال الكابتن: «بمناسبة الحدث الذي جرّى بالأمس، هل أقام ذلك الرجل بالمعجزات حقًا؟«

»نعم بالفعل

»وهل لدَّيك شهود على ما فعل؟«

»نعم لذى

»هل من المُمكن أنّ أتكلم مَعَهم؟«

قال الحاكم: «تكلم مع أي شخص مِنا، كلنا شهود على ما فعل

قال الكابتن موجها كلامه إلى مارتن: «هلوسة جماعية!» ثم قال موجهًا كلامه إلي الحاكِم: «وكيف يبدو هذا الرجل-الغريب؟«

قال الحاكِم، مع ابتسامة صغيرة: «سيكون وصفه صعبًا«

»ولما سيكون صعبًا؟«

»لأن أوصافه من المُمكن أنّ تكون مُختلفة من شخص لأخر«

»ولكني مهتم برأيك أنت، يا سيد، مهما كان،» وقال الكابتن موجها كلامه لمارتن: «سَجَل ذلك!» وضغط مساعده على الزر في المسجل اليدوي.

قال الحاكم: «حسنًا، لقد كان رجلًا كريمًا ولطيف، لقد كان ذو مَعَرفة وذكاء عظيمان

قال الكابتن وهو يلوح بأصابعه: «نعم ..نعم، أعرف، أعرف كل هذا. لا أريد هذه التعميمات. أريد وصفًا أكثر دقة. كيف كان شكله؟«

رد عليه الحاكم: «لا أظنّ بأن هذا مُهم«

قال الكابتن بصرامة: «إنه مُهم جدًا بالنسبة لي.. أريد وصفًا لهذا الرجل. وإذا لم أتحصل عليه مِنك، سوف أسئل الأخرين.» وأضاف قائلًا إلى مارتن: «أنا واثق بأنه "بورتن"، إنه يمارس علينا واحدة من نكاته السخيفة

 لم ينظر مارتن إلى وجهه. ولكنه بقي صامت ببرود.

»هناك أمر أخر، هل قام بإشفاء الناس؟«

قال الحاكِم: «أجل، لقد أشفى الكثير من الناس«

»هل بإمكاني رؤية أحدهم؟«

قال الحاكِم: «بالطبع، إنه ابني.» وقد أشار لطفل صغير كان يقف خلفه.  

»لقد كان يُعانِي من إصابة في يده. والأن، أنظر إليه

وعلى هذا ضَحَك الكابتن بتسامح: «أجل، أجل. إن هذا ليس حتى بالدليل الكافي، أنت تعرف ذلك. ليس بوسعي لمح أية إصابة في يد الطفل. كل ما أراه هو شخص مُعَافه وبصحة جيدة لا غير. هذا ليس دليلًا أبدًا. وما الدليل أصلا بأن هذا الطفل كان بالأمس مصاب واليوم قد شفى بالكامل؟«

قال له الحاكِم ببساطة: «كلمتِي هي الدليل على ذلك

قال الكابتن: «يا سيدي العزيز! لا تريد منى الذهاب واستجواب الأخرين؟ لا تريد مني ذلك طبعًا

قال الحاكِم: «أنا أسف» وهو ينظر إلي الكابتن بنظرة أظهرت الكثير من الفضول والشفقة.

سأل الكابتن: «هل لديك أية صورة لابنك قبل هذا اليوم؟«

وبعد لحظة حملوا نحوه لوحة زيتيه لبوريتيه، تظهر عليه صورة للطفل بيد مصابة.

لوح الكابتن بعيدًا: «يا صديقي العزيز! أي شخص بوسعه أي يرسم لوحة. اللوحات كاذبة. أريد صورة واقعية للولد

لم يكن هناك صور. فالتصوير لم يكن فنًا مُتعارفًا عليه في مجتمعهم.

تنهد الكابتن، بوجه مُنتفض. «حسنًا ..دعني أتكلم مع بعض المواطنين الأخرين. فليس عِندي خيَّار أخر.» وأشار نحو امرأة. «أنتِ.. » فاهتزت مُتردِدة. «نعم، أنتِ؛ تعالي إلى هنا..» أمرها الكابتن.

 »أخبرني عن الرجل الرائِع الذي ظهر بالأمس هنا.» فنظرت نحوه المرأة بتمعن وقالت:
 »لقد مشي بيننا وكان حسنّ الخُلق وطيب
»ما هو لون عيناه؟«
»لون الشمس، ولون الجِبال، ولون الليل

انتفض الكابتن: «لقد نلتُ كفايتي. أسمع، يا مارتن؟  لا شيء مفيد. يبدو بأن رجلًا دجالًا قد تجول بالجوار وهمس بالكلام الفارغ الحلو في اذانهم و..«

قال له مارتن: «أرجوك، توقف«

تراجع الكابتن للخلف: «ماذا!؟«

قال مارتن: «لقد سمعتْ ما قلت لك.. أحبُ هؤلاء الناس. وأصدق بما يقولون. من حقك أن تتماسك برأيك، لكن ابقيه لنفسك، يا سيدي

صرخ الكابتن: «لا يحق لك أن تكلمني بهذه اللهجة

رد عليه مارتن: «لقد تعبت مِن غطرستك.. دعْ هؤلاء الناس وشأنهم. لديهم خِصال جيده وحسنه، وأنت جئت لتخريب عُشِهم والسخرية مِنه. لقد تكلمتُ معهم أنا أيضًا. لقد مَشِيت في المدينة، ونظرتُ في وجوههم، إن لديهم شيئًا لست تملكه -إنه الايمان، وبمقدورهم تحريك جبل بهذا الايمان. وأنت، أنت غاضِب لأن شخصًا ما قد سبقك وسرق مجدك، مشَّى بينهم وحولك لشخص غير مهم

علق الكابتن : «سوف أمنحك خمس ثوانِي لتُكملْ.. أعرف، لقد كنت مُجهد للغاية، يا مارتن. شهور من السفر في الفضاء، والحنين للأرض، والوحدة. والأن، أمرًا كهذا يحدث لنا، اتفاهم موقفك، يا مارتن. سأتغاضى عن عِصيانك هذا

رد عليه مارتن «وأنا سأتغاضى عن غطرستك، سأنسحب. وسأبقى معهم هنا

»لا يمكنك فعل هذا

»ولِما لا؟ حاول ايقافي لو امكنك. هذا ما جئتُ لأبحث عنه. لم أكن أعرفه قبل المجيء إلي هنا، لكني أعرفه الأن.  هذا بالنسبة لي. خد قذاراتك لمكان أخر وخرب أعشاشًا أخرى-بشكوكك ونظرياتك العلمية!» وتتطلع إليه بسرعة وأكمل: «لقد خاضوا هؤلاء الناس تجربة حقيقة، وأنت لا تريد فهم ذلك لقد حصَّل معهم ما حصل ونحن محظوظين جدًا بأننا قد وصلنا متأخرين لنشهد على حدوث ذلك.  لقد تكلم الناس في الأرض عن هذا الرجل قبل عشرون قرنًا بعد أن نجىَّ من العوالم القديمة. وكلنا أردنا رؤيته أو سماعه، ولم نتحصل على هذه الفرصة. والأن، اليوم، تأخرنا عن هذا الشرف لبضع ساعات

نظر الكابتن هارت لخدود مارتن وقال: «والأن تبكي كالطفل. أوقف هذا
»لا أهتم

»حسنًا، أنا أهتم. يجب علينا أنّ نبقى مُتماسكين أمام هؤلاء المواطنين المغفلين. أنت مُجهد، كما قلتُ لك، وأنا أسامحك

»لا أريد سماحك

»أنت مغفل. ألا يمكنك أن ترى بأنها أحد ألعايب بورتن. لخداع هؤلاء الناس، ليضحك عليهم، وينشئ حقول نفطية ومعدنية بحجة المذاهب الدينية! أنت مغفل يا مارتن، مغفل جدًا! من المفترض أنك قد صِرت تفهم مثل هذه الألاعيب من سكان الأرض. فهم يفعلون أي شيء-يرتدون، ويكذبون، ويغشون، ويسرقون، ويقتلون، حتى ينالوا ما يردون. ويفعلون أي شيء ممكن لو كان يعمل؛ البراغماتي الذين يتكلمون عليه، إنه "بورتن". وأنت تعرف ذلك!» واصل الكابتن سخريته الثقيلة: «تخطى الأمر يا مارتن، أعترف؛ إنها واحدة من الألاعيب الحقيرة التي يُمارسها "بورتن"، يخدع هؤلاء الناس ويحتال على ما يملكون حتى يجهز الأمر

قال مارتن: «لا» وهو يفكر في الأمر.

رفع الكابتن يديه عاليًا: «إنه "بورتن"، إنه هو. وهذه وساخته واسلوبه الفاسد. عليا الاعتراف بدهاء ذلك التنين العجوز. توهج هنا في الوهج في الهالة في الكلمة اللطيفة واللمسة الحنونة، ومرهم علاجي هنا وأشعه للشفاء هناك.. إنه بلا شك "بورتن"!!«

»لا» قال مارتن بصوت فازع. وهو يغطي عيناه. «لا، لا أريد تصديق كلامك«

قال الكابتن هارت بإصرار: «لا تريد أن تصدق إذًا. عليك بالاعتراف الأن. اعترف! لا أحد يفعل ذلك عدا "بورتن". توقف عن الحُلم، يا مارتن. أستيقظ! إنه النهار. وهذا العالم الواقعي، حيث الناس القذرين، و"بورتن" أكثرهم قذارة

ألتفت مارتن خلفًا.

قال هارت: «هناك، هناك، يا مارتن»  وهو يربت على ظهر مساعده «أفهم، أنك مصدوم. أمر مخجل، أعرف ذلك. نذاله "بورتن"، عليك ألا تبالغ في صدمتك. سوف أتصَّرف بنفسي
توجهه مارتن بمهل نحو السفينة الفضائية. بينما شاهده الكابتن هارت وهو يبتعد. وبعدها أخد نفس عميق، وعاد إلى المرأة التي كانت يستجوبها.

 »حسنًا، أخبرني أكثر عن هذا الرجل. ما الذي قلتيه، يا مادام؟«

*

لاحقًا، قام ضُباط السفينة الفضائية بالتهام غدائهم على طاولة لعب الورق خارج السفينة. شارك الكابتن بالمعلومات التي جمعها مع مارتن الذي جلس في صمت مكتئب بعيون حمراء على طاولة الغداء.
قال الكابتن: «لقد اجريتُ محادثات مع عشرات الناس. وجميعهم يكررون نفس الهُراء.. إنه "بورتن" بلا شك، أنا واثق جدًا.  وسوف يعود إلى هنا غدًا أو الأسبوع القادم ليواصل صنع المعجزات وينتصر علينا. اعتقد بأني سوف أبقى هنا لأفسد عليه خطته

حملق به مارتن بتجهم وقال: «سوف أقتله

»الأن، الأن، هذا هو مارتن الذي اعرفه

»سوف أقتله.. ساعدني في ذلك، وسأقتله

»عليك الاعتراف بأنه ذكي. فاسد لكنه ذكي

»ووسخ للغاية

قال الكابتن هارت وهو يتفحص أصابعه: «فقط عدني بأنك لن تقوم بأي عمل عنيف. استنادًا لأقوالهم، يوجد ما يزيد عن ثلاثين مُعجزة شفاء، ورجل استعاد بصره، ومصاب بالجذام قد شفى. أوه، لقد أتقن "بورتن" عمله، اعترف له بذلك

ذويّ صوت جرس. وبعدها بلحظة جاء رجل يجري: «يا سيدي الكابتن. تقرير! سفينة "بورتن" تتجه نحونا. وكذلك سفينة "أشلي"، يا سيدي

قال الكابتن هارت: «ألم أقل لكم!» وهو يخبط فوق الطاولة. «وها هو الصياد قادم للحصَّاد! لا يمكنهم الانتظار أكثر.. انتظروا حتى أفضح أمرهم.. سوف ادفعهم لتقطيعي فوق هذه المأدبة-سترون

بدأ مارتن مُتعب للغاية. ونظر للكابتن.

قال الكابتن هارت: «صفقات عمل، يا عزيزي المسكين، صفقات عمل«

نظر الجميع للأعلى. وتأرجحت السفينتان من السماء نحو الأسفل.
عِندما هبطت السفينتان كانتا على وشك أنّ تتحطمان.

صرَّخ الكابتن: «ما الذي يجري مع هذان المغفلان؟» وهو يقفز نحوهما. وأندفع الرجال عبر المروج نحو السفينتان.

وصل الكابتن لجوار السفينتان. وانفتح قفل باب سفينة "بورتن". وسقط رجل فالتقطوه.

صرخ الكابتن: «ماذا حل به؟«

وقع الرجل على الأرض. فأنحوا جميعًا حوله وقد كان الرجل محترق، محترق بشكل سيء. كان جسده مغطي بالحروق والجروح والدخان يخرج من الأنسجة. نظر حوله بعيون منتفخة وحرك لسانه الغليظ فوق شفتاه الجفتان.

سأله الكابتن: «ما الذي حدث؟» وأنحى على ركبتاه للأسفل، وهو يهز ذراع الرجل.

» يا سيد، يا سيد،» همس الرجل المُحتضِر، «منذ ثماني وأربعين ساعة مضت، دخلت سفينتنا وسفينة أشلي بعاصفة كونية، يا سيد

خرج سائل رمادي من فتحات أنف الرجل. وتدفق الدم من فمه: «لقد هلكنا.. الفريق بكامله.. لقد مات "بورتن".. وكذلك "أشلي" قضَّى أجله قبل ساعة. لم ينجو مِنا غير ثلاثة

صرخ الكابتن هارت وهو ينحي أكثر نحو الرجل النازف: « أسمعني! أنتم لم تأتوا لهذا الكوكب قبل هذه الساعة، صحيح؟«

صمت.

صاح به الكابتن: «أجبني

قال الرجل المحتضر: «لا.. العاصفة.. لقد مات "بورتن" قبل يومين. وهذا هو أول عالم نصل إليه مُنذ ستة أشهر كاملة

صرخ الكابتن: «هل أنت متأكد؟»  وهو يهز الرجل بقوة، ويمسك الرجل من يديه: «هل أنت متأكد؟»
»بالتأكيد، بالتأكيد يا سيد» لفظ الرجل المحتضر.

»مات "بورتن" منذ يومين؟ هل هذا مؤكد؟«

همس الرجل: «نعم، نعم،» وسقط رأسه خلفًا.

 لقد مات الرجل.

ركع الكابتن لجوار الجسد الساكت. وشحب وجهه، وذبلت عضلاته لا إراديًا. وبقى أعضاء الفرقة واقفين خلفًا ينظرون للأسفل. ومارتن ينتظر. طلب منهم الكابتن أن يساعدوه على الوقوف، أخيرًا، أتضح كل شيء. وبعدها وقفوا ينظرون للمدينة وقال الكابتن: «هذا يعني..»

قال مارتن: «هذا يعني..«

»نحن أول الذين وصلوا إلى هنا

وهمس الكابتن هارت: «وذلك الرجل..«

سأل مارتن: «ماذا عن ذلك الرجل، يا كابتن؟«

أنتفض وجهه الكابتن عبثًا، لقد كان يبدو أكبر من عمره بكثير، وشاحبًا للغاية. وكانت عيناه تلمعان. تحرك نحو العشب الميت.

»تعالى معي، يا مارتن. تعالى. امسكني، لأجلي، امسكني. أنا خائف بأني سأسقط. وأسرع. ليس بوسعنا إضاعة المزيد من الوقت..«

لقد تحركا، متلعثمان، نحو المدينة، على طوال العشب الجاف، والرياح المتدفقة.

*

بعد ساعات قليلة، كانا جالسان عند قاعة حاكِم المدينة. وآلاف من الناس قد جاءوا وتكلموا وغادروا. بقي الكابتن جالسا في مكانه، بوجه مُنهك، يستمع، ويستمع.  لقد كان هناك الكثير من النور في وجوه هؤلاء الذين جاءوا وأبدوا بشاهدتهم وتكلموا حتى لم يعد بوسعه رؤيتهم. وطوال هذا الوقت كانت يداه تتحركان، على ركبتاه، كلتهما: وعلى حزامه، يهتز ويرتعش.

وعندما أنتهى كل هذا، ألتفت الكابتن هارت نحو الحاكِم وبعيون حادة قال: «لكن أنت لابد أن تكون على معرفه بمكانه؟«

رد عليه الحاكم: «هو لم يقل شيئًا عن وجهته،«

سأله الكابتن: «إلى أحد العوالم القريبة؟«

»لا أعرف

»لابد أنك تعرف

سأل الحاكم: «هل تراه؟» وهو يشير إلى الحشود.

نظر الكابتن نحوهم وقال: «لا

قال الحاكم: «إذا ربما هو قد غادرنا«

صاح الكابتن بضعف: «ربما، ربما! لقد ارتكبت خطأ فادحًا، وأريد رؤيته الأن. لماذا يحصل معي هذا، إنه أغرب حدث في التاريخ.. لتكون في مثل هذا الحدث. لماذا، هذه الفرص لا تحصل إلا مرة في البليون القرن، أن تصل إلي كوكب محدد من بين ملايين الكواكب في اليوم التالي لظهور الرجل المنتظر! لابد وأنك تعرف إلى أين ذهب

رد عليه الحاكم بلطف: «كل شخص يعثر عليه بطريقته الخاصة

»انت تخفيه عني في مكان ما هنا.» وازداد وجهه الكابتن قُبحًا ببطء. واستعاد شيئًا من قسوته، ووقف من جديد.

قال الحاكم: «لا

»أنت تعرف أين هو إذا..» ووضع الكابتن أصابعه فوق جراب مسدسه الجلدي على يمين حزامه.

قال الحاكم: «ليس بوسعي أن أقول لك أين هو، بالتحديد«

»من الأفضل لك أن تقول» وأخرج الكابتن مسدس معدني صغير.

قال الحاكم: «لا يوجد طريقة بوسعها جعلي أقول أية شيء لك«

»كاذب«

تعابير من الشفقة ملئت وجهه الحاكِم فِيمَا كان يُحدق بالكابتن هارت.

قال له: «أنت مُتعب للغاية ..لقد سافرت كثيرًا وأنت تنتمي لهؤلاء الناس المتعبين الذين عاشوا بلا إيمان لوقت طويل، وتريد أن تمنع نفسك من التصديق بهذا الحدث المهم الأن. سوف لن تصبح الأمور أفضل بالقتل. ولن تجده بهذه الطريقة

»إلى أين سافر؟ لقد اخبرك؛ أنت تعرف. هيا، أخبرني!» وموج الكابتن بالمسدس نحوه.

هز الحاكم رأسه رافضًا.

»أخبرني! أخبرني

  صدع الكابتن مسدسه، مرة، اثنين.. سقط الحاكِم، وجرحت ذراعه.

قفز مارتن نحوه. «يااا كابتتتتن

صوب الكابتن مسدسه نحو مارتن: «لا تقاطعني

نظر الحاكِم لهما وهو يمسك ذراعه المجروحة: «أبعد مسدسك. أنت تؤدي نفسك لا غير. أنت غير مؤمن، وتظن نفسك الأن مؤمن بشيء، وتريد قتل الناس لأجله

قال هارت، وهو واقف امامه: «لم أعد احتاج لمساعدتك.. إذا سبقني في المجيء هنا بيوم، فسوف أذهب إلى عالم أخر. وأخر، وأخر. ربما سيفوتني لقاءه بنصف يوم في العالم القادم، وربما بربع يوم في المرة الأخرى، وربما بساعه بعدها، وربما بنصف ساعة فيما يليه، وربما أتأخر عليه بدقيقة فقط! لكن بعدها، في يوم ما سوف أمسك به! هل تسمعني؟» كان قد بدأ يصرخ على الحاكِم. وقد تمايل جسده من شدة الإرهاق. «هيا تعال، يا مارتن.» وبقي حاملا المسدس بيده.

قال مارتن: «لا، سوف أبقى معهم

»يا لك من مغفل. أبقي لو شئِت. لكني سوف أسافر مع الأخرين، لأبعد ما بوسعي الوصول إليه

نظر الحاكم إلي مارتن: «سأكون بخير، أذهب. سيقوم الاخرين بعلاج جروحي

قال مارتن: «سوف أعود، سأرافقه حتى السفينة وحسب.»  ذهبوا بسرعة مفرغة عبر المدينة. بوسع أي شخص أن يلاحظ الجهد الذي بدله الكابتن ليظهر كل قوته، ليواصل فعل ما يفعل. حين وصل لجوار السفينة الفضائية، ركل جانبها بيده المرتعشة. وأعاد مسدسه لمكانه. ونظر نحو مارتن.

»حسنًا، يا مارتن؟«

وبادله مارتن النظرات: «حسنًا، يا كابتن؟«

كانت عيون الكابتن تحدق في السماء: «هل أنت متأكد بأنك.. لا تريد أن.. تأتي معي، هاه؟«

»بلى، يا سيدي

»سوف تكون مغامرة عظيمة. وأعرف بأني سوف أجده

سأله مارتن: «أنت مُصَّر على القيام بذلك، أليس كذلك يا سيدي؟«

أرتجف وجهه الكابتن وأغلق عيونه: «نعم

»هناك أمر واحد أريد معرفته«

» ماذا؟«

سأل مارتن: «يا سيدي، عندما تجده-لو وجدته أعني. ما الذي سوف تسأله عنه؟«

«لماذا..» تداعي الكابتن وفتح عيناه. وضغط يداه بقوه تم خف قبضته. وأحتار للحظة ثم أطلق ابتسامة غامضة: «حسنًا، سوف اطلب منه قليلًا من السلام، والهدوء. لقد مضى وقت طويلًا، طويلًا جدًا، منذ أخر مرة ارتحت فيها.» ولمس السفينة.

«وهل سبق لك وأن حاولت أن ترتاح يا كابتن؟«

قال هارت: «لا أفهم؟«

»لا بأس. وقت طويلًا، يا كابتن

»وادعًا، يا مارتن

وقف فريقه أمام بوابة السفينة. ثلاث منهم فقط قرروا المغادرة مع هارت. بينما سبعة أخرين وقفوا للخلف، وقد قرروا البقاء مع مارتن.

تطلع الكابتن هارت إليه وألقى سخريته: «مغفلين!» وكان هو، أخر من صعد السفينة، بعد أن منحهم تحيته، وهو يضحك بشدة. واغلق الباب خلفه.

ارتفعت السفينة إلى السماء بعمود ناري.

شاهدها مارتن حتى حلقت بعيدًا واختفت. وعلى المروج ظهر الحاكِم، بمساعدة بعض من الرجال، وأومئ براسه لمارتن.
قال مارتن، وهو يمشي: «لقد رحل

قال الحاكم: «نعم، الرجل المسكين، لقد رحل

»سوف يواصل السفر، كوكب بعد كوكب، يبحث ويبحث، ودائما ودومًا سوف يصل متأخر بساعة، أو بنصف ساعة أو بعشر دقائق، أو بدقيقة. وأخيرًا سيفوته اللقاء بثواني قليلة. وبعد أن يكون قد قطع ثلاثمائة عالم وحين يصير في السبعين أو الثمانين من عمره سوف يتأخر عليه بجزء من الثانية. وسوف يواصل ويواصل، وهو معتقد في نفسه بأنه سوف يعثر على ذلك الشخص الذي تركه خلفه هنا، على هذا الكوكب، وفي هذه المدينة..«
نظر مارتن طاردًا نحو الحاكم.

»وهل سبق وأن كان هناك شك في ذلك؟» أخرج الحاكِم يده وأشار للأخرين والتفت.

 »هيا بنا الأن، لابد وأننا قد جعلناه ينتظر طويلًا

وقد عادوا جميعًا للمدينة.


تمت.




الرجل "قصة قصيرة" - راي برادبيري الرجل "قصة قصيرة" - راي برادبيري Reviewed by Roya Shaban on 10:44 ص Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.