التاريخ السري لمائة عام من العزلة

التاريخ السري لمائة عام مِنّ العُزلة:

"مُنذ نِصف قرنّ مضي، بعد زيارة أخرى لمكتب الرهونات، أرسل غابريل غارسيا ماركيز روايته التي صارت معروفة لاحقًا، إلى ناشره. وبعد أنّ صارت " العُزلة" في عامها الخمسين، قام بُول إيلي بإجراء مُقابلة مع وكِيلة غابو قبل مَوتِها، عنّ عمر يناهز الخامسة والثامنين، واكتشف مِنَها الأحداث التي قادت إلى كِتابة الرواية."




كان البيت في مكان هادِئ في المكسيك، حيث يوجد مَكتبهُ، المَكَتَبَ الذي عثر فِيه على الوحدة التي لم يَعَهِدها قبل والتي لن يعرفها بعد ذلك.
كانت السجائر (وقد كان يدخن ما يقارب السيتين سيجارة في اليوم) فوق طاولة المكتب. وكانت الأشرطة تعمل في المسجل: كُلود ديبوسي، بِيلا بارتوك، وأغُنية البيتلز الشهيرة "ليلة عصيبة". وعلى الحائط تلتصق الجداول موضحة عليها تاريخ البلدة الكاريبية التي أطلق عليها اسم " ماكوندو" وسُلالة العائلة التي أسمها " أل بوينديا".
في الخارج، كان الزمن هو مطلع الستينات؛ أما فِي الداخِل، كان زمن أميركتيّ ما قبل الحداثة وكاتبٌ يجلس عِند آلة كِتابة يَعَمل بِكل قوتِه.
لقد مرَّ طاعون الأرق على شعبه في ماكوندو؛ وجَعَل الكاهِن يُحلق في الهواء، متزودًا بالشوكولا الساخنة؛ وأرسل سراب مِنّ الفراشات الصفراء. وقاد شعبه في رحلة طويلة عبر الحروب الأهلية والاستعمار والـ banana-republicanism؛ وقد تعقبهم في غُرف نومهم، وشهد على مغامراتهم الجنسية الفاحشة.
كما ذكر قائِلًا " في أحلامي، كُنت أعُيد اختراع الأدب،". شهر بَعَد شهر كبرت مسودة الرواية، منذرة بالرائعة العظيمة و "عُزلة الشهرة،" كما سيُطلق عليها ماركيز فِي وقت لاحِق.
غابريل غارسيا ماركيز بدأ كِتابة "Cien Años de Soledad" مائة عام مِنّ العُزلة، منذ نِصف قرن مَضَّي، وانتهى مِنها في وقت مُتأخِر مِن عام 1966. وخرج العمل مِن مِطبعة بُوينس آيرس-في الارجنتين-في يوم 30 مِن شهر آيار سنة 1967، قبل يومين فقط مِن إصدار ألبوم Lonely Hearts club band Sgt. Pepper’s لفرقة البيتلز، وكان رد فِعل قُراءه باللغة الإسبانية أقرب إلى حالة " بتلمنيا –أو حالة الولع بفرقة البيتلز": حشود، وكاميرات، وعلامات تعجب، وإحساس قوي ببداية حُقبة جديدة.
وفي عام 1970 خَرَج الكِتاب باللغة الإنجليزية، مُتتبعًا بنسخة ورقية مع شمس مُحترقة موضوعة على الغِلاف، والتي صارتّ مِثل طُوطِم تِلك الحقبة. وبحلول الوقت الذي حاز فيه ماركيز على جائِزة النُوبل، في عام 1982، اعتبرت الرواية بأنها دُون كيخوتي الجنوب العالمِي، والشاهِد على قوة أدب أمريكيا الاثنية، والأديب الشاب صارَّ معروفًا في كل القارة مِن خلال اسمه الأول مِثل صديقه الكوبي فيديل.
بَعَد عِدة سنوات مِن ذلك، واهتمامًا بغابو وروايته التي واصلت النجاح. دفعتَّ شركة The harry Ransom Center، في جامعة تكساس، ما يقارب 2.2 دولار، لتكتسب حقوق أرشفة اعماله-بِما في ذلك المخطوطة الأصلِية لرواية مائِة عام من العُزلة-وفي أكتوبر الماضِي، اجتمع أفراد أسرته والأكاديميين لألقاء نَظرة جَدِيدة حوَّل ميراثه، واستحضروا عظمة غابو التي تتمثل في هذه الرواية.
على مستوى غير رسمِي، هو كِتاب الجميع المُفضل مِنَّ الأدب العالمِي وهي الرواية، التي ألهمت الكثير من الروائيين في عصرنا الحالي أكثر مِن أي عَمَل أخر مُنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، روائيين من أمثال توني موريسون وسليمان رشدي وجونت دياز. وهناك مشهد مِن فيلم الحي الصيني Chinatown يأخذ مكانًا في مبني هوليودي يُطلق عليه اسم " مسكن إل مكاندو." وخلال فترة حكمه الأولى، اعترف بِيل كلينتون بأنه يرغب في لقاء غابو حين كان كلاهما في مارثا فينيارد؛ وقد انتهى بهما الأمر يتبادلان الحديث حول فوكنر على العشاء عند مكان إقامة بِيل وروز ستيرون. (وقد كان كُلاً مِنّ كارلوس فوينتس، وفيرنون جوردان، وهارفي واينشتاين على الطاولة أيضًا.) عِندما مات غارسيا ماركيز، في شهر أبريل من عام 2014، شارك براك أوباما، كلينون في الحداد على روحه، وقال عنه " إنه واحد مِنّ كُتابي المفضلين مُنذ صِغري" مشيرًا إلى تعلقه بالنسخة المهداة له مِن كتاب مائة عام مِن العُزلة. " إنه الكِتاب الذي لم يُعيد تعريف أدب أمريكيا اللاتينية وحسب لكن حقبة أدبية كامله." وأصَّر على كلامه هذا، الباحث البارز في الثقافة اللاتينية في الولايات المُتحدة الامريكية، ايلانّ ستافانز، والذي كان قد قرأ الكِتاب أكثر مِنّ 30 مرة.
كيف يُمِكنّ أنّ تكون هذه الرواية مُثيرة، ومُسلية، وتجريبية، ومُتطرفة سياسِيًا، وشعبية حوَّل العالم في أنّ واحد؟ نجاحها لم يكنّ أمر مؤكدًا، وقِصة كيف جاء هذا النجاح حاسِمة وهو واحد من أهم فصول تاريخ أدب النصف قرن الأخير.



الرحيل عن الوطن:




الرجل الذي خلق أكثر القرى الخيالية شهرة، كان ابن مدينة. وُلد غابو سنة 1927 في القرية الكولومبية أراكاتكا، بالقرب مِنّ الساحل الكريبي، وتلقى تعليمه في الضواحِي الداخلية لبوغوتا، وأنهى دراسة القانون الخارجي ليَّصِير صحافِي في مُدنّ قرطاجنة، في بارانكيا (ويكتب الأعمدة في الصُحف)، وفي بوغوتا (يكتب مُراجعات الأفلام). وفِيما أشتد اختناق الديكتاتورية في بلده، ذهب فِي مُهِمة عَمَل إلى أوربا-مُبتعدًا عن طريق الخطر. وقد أمضى وقتًا عَصِيب هُناك. في باريس، لجئ إلى ايداع الزجاجات لتلقى النقود؛ وفِي روما، أخد دروسًا في صناعة الأفلام التجريبية؛ وتجمد في صَقِيع لندن وأعاد ارسال البرقيات والرسائِل إلى شرق ألمانيا، وتشيكوسلوفاكيا، والاتحاد السوفييتي. وعَاد إلى الجنوب، إلى فنزويلا، وقد كان على وشك أنّ يتم القبض عليه خلال عملية عشوائية قامت بها الشرطة العسكرية هناك. وحِين صارت السلطة بيد فيدال كاسترو في كوبا، انضم غابريل ماركيز إلى برنسا لاتينا، وهي وكالة صَحَّافة انشأتها الحكومة الشيوعية الجديدة، وبَعَد أنّ أذى مهمة عمل أخرى في هافانا انتقل بعدها إلى نيويورك في سنة 1961 مع زوجته، مرسيدس، وابنهم الصغير، رودريغز.
كما سيقول لاحقًا عن المدينة، " لقد كانت مُتعفِنة، لكنها أيضًا كانت في حالة مِيلاد جديد، مِثل الغابة، لقد اذهلتني." لقد اقامت العائلة في فندق Webster، وبعدها انتقلوا للعيش مع الأصدقاء في فندق Queens، لكن غابو قضَّى مُعظم وقته في مَكتب الوكالة الصحافية بالقرب من مركز الـ Rockerfeller، في غرفة مع نافدة واحدة تعلوها سقيفة مليئة بالجرذان. كان هاتفه يرن، ويرن بلا توقف وكلها مُكالمات تأتِي مِنّ المنفى الكوبي والذين رأوا في الوكالة الذي عَمَل فِيها ماركيز مِثل موقعًا خارجيًا سري من تنظيم كاسترو، والذين كانوا يبغضونه، فاحتفظ بقربه دائِمًا على مِقبض حديدي ليكون على استعداد في حالة تعرض لأي هجوم.
وقد كان يكتبُ اعماله الأدبية طوال تِلك الأوقات: رواية "ورقة ذابلة" في بوغوتا؛ و "في ساعة نحس" و "ليس لذي الكولونيل من يكاتبه" في باريس؛ و"جنازة الأم الكبيرة" في كاراكاس.. وعندما سيطر الشيوعين المتشددين على الوكالة الصحافية وطردوا المُحرر، أنهي ماركيز عمله تضامنًا معه. وقد غادر بعدها إلى ميكسو سيتي؛ وركز على كتابة الأعمال الأدبية.
لكنه قبل ذلك قام بزيارة الجنوب الأمريكي، الذي كَتَب عنه ويليام فوكنر في روايته، والذي قرأ عنه غابو في مطلع عشريناته. وخلال سفره عَبَر الحافِلات، تعرضَّت اسرته لمعاملة سيئة حيث نعتوا بـ" المكسيكيين القذرين" كما روى لاحقًا-ومُنِعوا مِن خَدَمات المطاعم ودورات المِياه. " وسط حقول القطن، يأخذ المزارعين قيلولة تحت المظلات على طرفي الطريق، وأكواخ السُود صامدة في بؤس... عالم مدينه "يوكناباتاوفا" المريع كما وصفه فوكنر مرّ عبر عيوننا من نوافذ الحافلة،" وتذكر أيضًا، "وكان كل شيء حقيقي وإنساني مثل ما وصفه المعلم القدير في رواياته."
لقد كافح غارسيا ماركيز مطولًا. وبَعَدها انتقل إلى كِتابَة النصوص السينمائية. وعَمَل مُحررًا في مَجَلة نِسائية لامعة، La Familia، وأخرى متخصصة في مقالات الجرائم والفضائح. وكتب لمجلة J. Walter Thompson، وقد عرف عليه حين كان في مقاطعة الروز زون، في مكسيكو، بأنه عبوس وكئيب جدًا.
بعدها حظيت أعماله على اهتمام وكيلة أدبية في برشلونة، وتغيرت حياته بفضلها. وبعد أسبوع مِن اللقاء في نيويورك سنة 1965 توجهت تلك الوكيلة نحو الجنوب للقاء غابو.

قِطعة مِن الورق:



" هذه المُحاورة احتيال،" أعلنتّ كاريمان بالسيلز قبل البَدِء في إجراء المُحاورة. كُنا في شقتها الموجودة فوق مكتبها القاطِنّ فِي وَسَط برشلونة. كانت جليسة كرسي مُتحرك وخرجت لتقابلني في المصعد وبعدها ادارت كرسيها المُتحرك نحو طاوله ضخمة مُحَمَلة بصناديق الملفات الحمراء ونصوص الروايات. (كُتب على أحدها، فارغاس يوسا؛ وكتب على الأخرى وكالة وايلي.) عُمرها يناهز الخمسة والثمانون، ولها شعر أبيض كثِيف، وحَجَم هائِل يليقُ بأنّ تَحَمِل مَعَه لقب " الأم الكبيرة La Mama Grande" وارتدت ثوبًا أبيض يجعلها تبدو كنسخة انثوية عن البابا.
 " احتيال،" قالت بلغة إنجليزية، بصَّوت عالي وضئِيل. " عندما يموت أحد المشاهير، أو أحد الفنانين، ولمْ يَعَد موجود ليجيب عنّْ الأسئلة الكثيرة، فأول خطوة هي اجراء مقابلات مع السكرتيرة، ومُصفِف الشعر، والأطباء، والزوجات، والابناء، والخياطين. أنا لستُ فنانة. أنا مُجرد وكيلة، وأنا هنا بصفتي شخص كانت له أهمية في حياة غارسيا ماركيز. لكن هذا، ليس الأمر الحقيقي. فالحضور الساحر للفنان الحقيقي صاحب الشأن قد اختفى."
لقد كانت بالسيلز تُحضر إلى مستقبل لنّ تكون حاضرًا فيه لتراه. صفقة عمل لتبيع وكالاتها إلى الوكيل الأدبي في نيويورك أندرو وايلي ولكن صفقتها قد فشلت. (وسنعرف كثيرًا حول هذا لاحقًا.) والكثيرون من المتقدمين كانوا يتوسلون لنيل هذه الصفقة، وبالسيلز تحاول أنّ تقرر منّْ الذي يستحق أن يعتني بأكثر من 300 عميل لها، وبمُمتلكات غارسيا ماركيز مِن بينها كُلها.. وفيما كُنا نستعد لبدء المحاورة، اخبرتني بضجر، سوف يكون لها في وقت لاحق من النهار، اجتماع مع محاميها، وقالت " صفقة عمل قذرة"
كانت تبدو أكثر حيوية في المساء، أخدت بكل الأمور المقلقة جانبًا وتذكرت اليوم الأول التي شعرت فيه " بالحضور المذهل للفنان الحقيقي،" بين يديها.
أحبت هي وزوجها، لويس، أنّ يقرؤوا قبل النوم. "كُنت أقرأ لغارسيا ماركيز، أحد رواياته الأولى، وقلتُ لزوجي، هذا مبهر للغاية، يا لويس، أنّ نقرا معًا في نفس الوقت. لهذا قمت بنسخ الكتاب. وكلانا كان متحمس لقراءتها: كانت مُبتكرة، وأصلية جدًا، ومثيرة للحماس. وكل قارئ يقول في عقله، على بعض الكُتب، هذا أحد أفضل الكُتب التي قرأتها في حياتي. وحين يتكرر هذا على نفس الكتاب مرة وأخرى، حول العالم، فأنك تحمل بين يداك عمل احترافي. وهذا ما حصل مع غابريل غارسيا ماركيز."
عِندما وصلت بالسيلز مع لويس إلى نيو مكسيكو، في يوليو عام 1965، لم يلتقي غارسيا ماركيز بوكيله الجديد وحسب، بل التقى معجبان كبيران جدًا بأعماله. وفي مُتضح النهار، اخدهما في جولة حول المدينة؛ وفي الليل، اجتمعوا معًا لأجل العشاء مع الكُتاب المحليين. لقد اكلوا وشربوا، واكلوا وشربوا المزيد. وبعدها أخرج غارسيا ماركيز قطعه من الورق وهو محاط بكل ضيوفه، وقام بأجراء عقد اتفاق وكان لويس شاهد لهما حين أعلن ماركيز بأنها سوف تكون وكيلته في كل العالم على مدار المائِة وخمسون عامًا القادمة.
" ليست مائة وخمسون عامًا، أظنها كانت مائة وعشرون." اخبرتني بالسيلز، وهي تبتسم. " لقد كانت نكته لطيفة، عَقد ساخِر، كما ترى."
لكن كان هناك عقد أخر، ولم يكنّ نُكته ساخِرة. لقد كان في نيويورك قبل أسبوع، عثرت بالسيلز على ناشر أمريكي، " Harper &Raw" لأجل نشر أعمال غارسيا ماركيز. وقد اجرت عقدًا من أجل حقوق اللغة الإنجليزية لأربعة من كتبه. والدفع؟ لقد كانت قيمته ألف دولار فقط لا غير. وقد جلبت العقد معها، والذي قدمته له حتى يقوم بالتوقيع عليه.
 الشروط تبدو غير عادلة، وربما طامعة أيضًا. وذلك العقد أيضًا منح Harper & Row الحق لنشر أي عمل قادم يقوم غارسيا ماركيز بكتابته، مهما كان نوع ذلك الكِتاب. " هذا العقد ليس سوى قطعه مِنّ الخرا،" قال لها. ولكنه وقع عليه في النهاية.
غادرت بالسيلز لتعود إلى برشلونة؛ بينما جهز غارسيا نفسه لعطلة على الشاطئ مع أسرته في مدينه أكابولكو، على مسافة يومًا بالسيارة نَحَو الجنوب. وفِي مُنتصف الرحلة، أوقف سيارته -سيارة بيضاء من طراز اوبيل 1962، حمراء مِن الداخل-وقرر العودة. فكرة عمله القادم خطرت عليه من دون سابق انذار. لمدة عقدين مِن الزمن كانت اعماله تتناول وتدور حول حكايات العائلات الكبيرة في القرى الصغيرة. وفي تلك اللحظة أبصر في عقله بوضوح رجلًا، يقف ضد مجموعة مِن منفذي حُكم الإعدام بالرصاص، ورأي مع ذلك المشهد حياة الرجل كلها في لحظة واحدة.. وكما سيسرد لاحقًا،" لقد ظهرت جاهزة في عقلي، حيث كان بوسعي كتابة أول فصل منها، كلمة بكلمة."
في مكتبه حيث يعمل، أقعد نفسه عند الألة الكاتبة. وقال متذكرًا، " لم أبرح مكاني لمدة ثمانية عشر شهرًا." مِثلما أختبئ بطل روايته، الكولونيل أورليانو بوينديا داخل ورشته في ماكوندو، يصنع السمكات الذهبية الصغيرة ذات العيون الجوهرية-عمل الكاتب بِهوَّس. وضع علامات على الصفحات المكتوبة، وبعدها ارسلهم لخبير طباعة ليصنع منهم نسخة نظيفة. وأتصل ببعض الأصدقاء ليقرأ لهم صَفحات من روايته بصوت عالِي. حافظت مرسيدس على تماسك العائلة في تلك الأثناء. وجهزت زجاجات الويسكي حتى تكون مستعدة للاحتفال حين ينهي ماركيز عمله. وابعدت عنه محصلي الفواتير. وراهنت أغراض البيت من أجل النقود: " التلفون، والثلاجة، والراديو، والمجوهرات." حَسَب ما جاء في كِتاب السيرة الذاتية لغرسيا ماركيز الذي كتبه غيرالد مارتن. وباع سيارة الاوبيل. وعندما انتهى من كِتابة الرواية، وذهب غابو مع مرسيدس إلى مكتب البريد لإرسال النص إلي الناشر ليُطبع، اديتوريال سود امريكانا، في بوينس أيرس، لم يكن بحوزتهم اثنان وثمانون بيسو لدفعها.. فقاموا بأرسال نِصَّف الرواية، والحقوا النصف الأخر بعد زيارة لمَحل الرهونات.
لقد دخنّ الثلاثين ألف سيجارة وأنفق المائة وعشرون بيزو (حوالي عشرة ألاف دولار.) وفي النهاية سألته مرسيدس، " وماذا لو تبين لنا إنها بعد كل هذا، مجرد رواية رديئة؟"

عقلك سيحترق:




يقول فوكنر" الماضي لا يموت. فهو حتى لا يمضي." وفي مائة عام مِنّ العُزلة، جَعَل غارسيا ماركيز حضور الماضي مَوضِع حياة في ماكوندو-مِثله مِثل الفقر، أو الظُلم. وعَبَر سبعة أجيال مُتكامِلة يبقى جوزيه أركاديو بوينديا واحفاده حاضِرين لأحدهم الأخر: من خلال أسماءهم الموروثة، ونوبات الغضب والغيرة، ومن خلال احتيالاتهم وحروبهم، وكوابيسهم، ومن خلال المَحَارم والفواحِش التي تَسري عليهم، وقوة تجعل التشابه العائِلي لعنة والانجذاب الجنسي قوة يَجَبُ التعامل معها، وإلا فأنك أنت وحبيبتك (والتي هي أيضًا قريبتك) ستنجبون طِفلًا مع ذيل خنزير.
أصبحت " الواقعية السحرية" هِي المصطلح الذي يستطيع غارسيا ماركيز من خلاله مُخالفة قوانين الطبيعة عبر الفن. ولكن سحر الرواية، في المقام الأول والأخير، يأتي في القوة التي تجعل عائِلة أل بوينديا وجيرانهم حاضرين أمام القارئ. من خلال قراءتِها، تشعر: أنهم أحياء؛ وكل شيء فيها يحدث بالفعل.
بُيعت أكثر مِن ثماني ألاف طبعة في أول أسبوع من صدورها في الأرجنتين لوحدها، وهو حدث غير مسبوق لرواية أدبية في أمريكا الجنوبية. قرأها العُمال. وكذلك ربات البيوت ولأستاذه، والعاهرات: ويتذكر الروائي فرانسيسكو غولدمان بأنه قد رأي الرواية لجوار الطاولة بقرب السرير في بيت للدعارة. سافر غارسيا ماركيز إلى الارجنتين، وإلى البيرو، وإلى فينزويلا، بالنيابة عن روايته. في كراكاس، وضع المضيفين الذي استقبلوه عندهم لوحة كتب عليها بخط اليد: ممنوع الحديث عن مائة عام من العزلة. وبعض النساء قمنا بعرض أنفسهن عليه، بعضهن فعلن ذلك شخصيًا، وأخريات قمنا بإرسال الصور.
 ليبتعد غابو عن هذا التشتيت، انتقل بعائلته إلى برشلونة. والتقى به بابلو نيرودا هناك، حيث كتب عنه نيرودا قصيدة. وفي جامعة مدريد، كان ماريو فارغاس يوسا وقتها يحتفى بروايته " البيت الأخضر"، وكتب رسالة الدكتورة خاصة حوَّل رواية غارسيا ماركيز، والتي كانت قد ربحت أفضل الجوائز الأدبية في إيطاليا وفرنسا. وقد كان يروي على أنه أول كتاب وَحَد بثقافة أدب اللغة الاسبانية، بعد طول انقسام بين اسبانيا وأمريكا اللاتينية، وبين المدن والقرى، وبين المستعمِر والمستعمَر.
اشترى غريغوري راباسا الرواية في متهاتن، نيويورك، وقد قرأها بعد ذلك مباشرة، وفتن بها. كان أستاذا للغة الرومانسية في جامعة كوينز، وقد ترجم مؤخرًا رواية " لعبة الحجلة" لخوليو كورتاثار ونال عنها الجائزة الوطنية للكتاب. وقد خدم قبلها في حل الشفرات والرموز لمكتب الخدمات الاستراتيجية خلال الحرب، وقد رقص مع مارلين ديتريش (ممثلة من أصل أمريكي وألماني) عندما جاءت لتسلية الجنود أيام الحرب. وكان بوسعه معرفة العمل الفني الجيد حين يراه.
 " لقد قرأتها من دونّ أنّ أفكر في ترجمتها" قال مفسرًا، وهو يجلس في شقته بالشارع 72 شرقًا. وهو الأن في عمر يناهز الثالثة والتسعين، هش ولكنه لا يزال رشيق العقل، ولا يزال يستحضر ماضيه. " لقد كنت مُعتادًا على أسلوب السرد الحقيقي والمُجرب. أوه، وقد ترجمتُ لكورتاثار. وعرفتُ أعمال بورخيس. وحين تضع الاثنين معًا ستحصل على شيء مختلف: سوف تحصل على غابريل غارسيا ماركيز."
رئيس التحرير في Harper & Row، السيد كاس كانفيلد الابن، كان قد دفع 1000 دولار على حقوق أربعة كُتب سابقة، وحَصَل على موافقة للرواية الجديدة ب 5000 دولار، ليدفعها إلى وكالة بالسيلز على أقسام مقسمة. وقد حصل أنّ سئل غارسيا ماركيز صديقه خوليو كارتاثار من أجل الحصول على مُترجم جيَّد، ونصحه قائلًا " أذهب إلى راباسا."
في عام 1969، في بيت في هامتن بايز، في لونغ ايلند، بدأ راباسا في ترجمة الرواية، وقد انطلق من الجملة الأولى التي لا يمكن نسيانها:
 " بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام، سيتذكر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه فيه أبوه للتعرف على الجليد."
 وقد حدد قواعد معينة: " كان على أن اتأكد بأن الأب هو دائمًا جوزيه اركادو بوينديا، وليس أي نسخة أخرى، بنفس الطريقة التي لا يدعي بها تشارلي بروان أي شيء أخر عدا تشارلي بروان في مجلة Peanuts."
سَمَع المحرر ريتشارد لوك بالكتاب للمرة الأولى سنة 1968 من الكاتب توماس مكوان، بينما كان في رحلة لزيارته إلى موناتانا. " لقد كان توم قارئ مُتذوق،" شيد به لوك. " وقد قال بأنه الرجل الذي يتكلم عنه الجميع." ومع الوقت الذي ارسلت فيه Harper & row نسخة متقدمة، في مطلع عام 1970، أصبح لوك محرر مجلة نيو يورك تايمز لمراجعات الكُتب. " عِندما صدر الكِتاب، علمتُ بأنه كِتاب مهم،" تذكر لوك، "وكُتِب من قبل كاتب مُختلف، وفي طرح جديد لم يسبق أنّ رأيتُ مثله من قبل. وسوف امنحه تقريرًا حماسيًا."
في ذلك، كان كانفيلد، قد غنى أغنيته إلي صحافي التايمز، وظهر استعراض لكل روايات الأدب اللاتيني الجديدة التي ستصدر بالانجلزية، إل بوم-مع أسم غارسيا ماركيز في العنوان الرئيسي.  وقد تنبئ كانفيلد حين قال" كُنا متأكدين بأن غارسيا ماركيز سوف يتسبب بنفس بالإحساس الذي تسبب به كتاب ما بعد الحرب العالمية الثانية الفرنسين والألمان في المشهد الأدبي الأمريكي."
نُشرت مائة عام من العزلة في مارس 1970، بغلاف أخضر وطباعة عادية أخفت ذلك السحر بداخل الكتاب. بَعَدها، وحتى وقتنا هذا، التقارير الرئيسية للمبيعات وحتى الجوائز كانت ولا زالت تلك التي وضعها التايمز. وقد أشاد التقرير بها " سفر تكوين أمريكا الجنوبية، وأنها قطعة أدبية سحرية."  وقال جون ليونارد: " حين تخرج من هذه الرواية تشعر بأنك خرجت من حلم، وعقلك سيحترق." وأضاف، " من دون شك، سيقفز غابريل غارسيا ماركيز لجوار غونتر غراس وفلاديمير نابوكوف، شهيته هائلة مِثَلمَا مُخيلته، وقدريته أعظم من كلتهما. مذهل."
وقع على خمسة ألاف دولار لأجل العقد الذي أسماه " قطعة خراء"، ووصلت مبيعات الكِتاب إلى الخمسين مليون نسخة حول العالم، وقد تصدر قائمة أعلى المبيعات عامًا تلوى أخر. شاهده غريغوري راباسا بفخر شديد وقلق، عمله الذي حصل مقابله على حوالي ألف دولار، مثل عمل بستاني، ينشر السماد، يصير واحد من أكثر الروايات المترجمة روجًا والأكثر شعبية. غارسيا ماركيز بنفسه قام بقراءة النسخة المترجمة وقد صرَّح بأنها أفضل من كتابته الاسبانية. وقد قال عن راباسا: " أفضل كاتِب للأدب لاتيني باللغة الإنجليزية."

المشاجرة:




كثيرون رغبوا في صِناعة فيلم عن مائة عام مِن العزلة. ولا أحد منهم حقق ذلك. أحيانًا الكاتب والوكيل يشترطان سعرًا محددًا للحقوق. وأحيانًا أخرى كان غارسيا ماركيز يضع شروطًا خيالية. أخبر غابو هيرفي وينشتاين بأنه سوف يمنحه الحقوق هو وجيوزبي تورنتوري، شرط أن يصنع الفيلم على طريقته. وكما يتذكر وينشتاين: " يَجَب أنّْ نصور كامل الكِتاب، لكن أن نصنع فصل واحد – بطول الدقيقتين-لكل عام، على مدار المائِة عام."
وبدل تبني العمل لتحويله إلى فيلم، بعدها، كان هناك الكثير من الاحترام للروائيين الاخرين-بعضهم من كان صريح (مثل رواية اوسكار هيجويلوس عن كوبا الامريكية)، والبعض الاخر بمكر غير مباشر (مثل رواية ويليام كينيدي نبات الفيرنونيا، حيث يتكلم طفل ميت مع والده من خلال القبر) وعزمت ألس والكر القضبان الحديدية من الإمكانيات في رواية " اللون القرمزي"، عندما أرسل الله رسالة وأثرت ردود حقيقية. وايزابيل الليندي، وهي قريبة لرئيس جمهورية تشيلي السفاح (وهي أيضًا من عملاء بالسيلز)، واخبرت القصص عن تشيلي الحديثة من خلال قصة عائلة في حقب زمانية مختلفة في روايتها " بيت الأرواح."
قالت توني موريسون: " كنت أجلس في مكتبي عند Random house،" ، وكانت حينها مُحررة ولديها روايتان منشورتان، " فقط أقلب صفحات مائة عام من العزلة. وكان هناك شيء مألوف جدًا في الرواية، وملحوظ جدًا بالنسبة لِي. لقد كان نوع معين من الحرية، حرية في التجسيد، ومفهوم " مختلفة" للبداية، والمنتصف، والنهاية. ثقافِيًا، شعرتُ بالقرب مِنه لأنه كان سعيد بمزج الحياة والموت. وشخصياته كانت مُتعايشة مع العالم الفوق طبيعي، وهذه هي الطريقة التي كانت تُحكىّ بِها القصص في بيتي."
توفى والد موريسون، وكانت تدور في ذهنها فكرة لرواية جديدة، والتي سيكون أبطالها هم الرجال الذين رحلوا عنها. " كنت مترددة في الكتابة عن هؤلاء الرجال. لكن الأن، ولأني قد قرأتُ مائة عام من العزلة، لم أعدّ مُترددة. وقد حصلتُ على إذن من غابريل غارسيا."  الإذن لكي تكتب "أغنية سولومون" وهي البداية إلى رواية كبيرة، وجريئة. (وبعدها بسنوات، قد اعطى موريسون وغارسيا دروسًا متقدمة في جامعة برنستون. وكان ذلك في عام 1998، العام ذاته التي ظهرت فيه حبة الفياجرا" كما تذكر موريسون. " لقد كنت أقله من أمام الفندق صباحًا حيث كان يقيم مع زوجته مرسيدس، وكان يقول " الحبة: الحبة ليست لنا نحن الرجال. إنها لكم، إنها للنساء. نحن لسنا بحاجة لها، لكننا نريد ارضائكم.")
كان جون إيرفينغ يُدرس الأدب ويدرب المُصارعة عند كلية يندهام في فيرمونت، وقد تخرج من ورشة أيوا للكتابة مهووسًا بغونتر غراس. مِثل رواية " طبل الصفيح"، كان كِتاب ماركيز يلهمه ومِثل كل الروايات الكلاسيكية. وقال عنه: " ها هو كاتِب منّ القرن التاسع عشر لكنه يكتب في عصرنا هذا، إنه يخلق الشخصيات ويدفعك لحبهم. وحين يكتب حوّل ما فوق الطبيعية، فأسلوبه غير اعتيادي، وليس عادي. الزِنَا والتزاوج. كله مقدر مِثل أعمال توماس هاردي."
جونوت دياز، والذي هو من الجِيل الاصغير، يرى غابو كما لو أنه المرشد لواقعنا الحالِي. لقد قرأ دياز الرواية في شهره الأول عند التحاقه بجامعة رونجرز، في عام 1988. وقد قال عنه: " لقد تحول العالم مِن الأبيض والأسود إلى التكنيكولور، لقد كُنت كاتبًا أمريكي-لاتيني-كاريبي شاب وأردت أن أعثر لِي على مثل أعلى. وقد مرّ بي هذا الكِتاب مِثل الصاعقة: دخلتني مِن رأسي حتى أقدامي، وظلت مَعِي طوال السنوات التالية، حتى هذا اليوم." وقد ادهشته حقيقة أن رواية مائة عام من العزلة كانت قد كتبت بعد تعرض بلده، جمهورية الدومينيكان، لغزو القوات الامريكية سنه 1965. وقد صار يرى الواقعية السحرية مِثل أداة سياسية، وقد فسر ذلك موضحًا،" هذا قد ساعد سكان الكريبي على رؤية الأشياء بوضوح في عالمهم، العالم السريالي حيث هناك أموات أكثر من الأحياء، وأكثر صمتًا مِما نتكلم. هناك سبعة أجيال في عائلة بونيديا. ونحن الأن الجيل الثامن. نَحنُ أبناء ماكوندو."
كان سليمان راشد يعيش في لندن وفكر فِي البلد الذي قضَّى فيه طفولته حين بدأ في قراءة الكتاب للمرة الأولى. وبعد سنوات عِدة كتب: " كنت أعرف كولونيلات وجنرالات غارسيا ماركيز، أو على الأقل نظائرهم من البكستان والهند؛ الأساقفة كانت هي الملال عندي؛ وشوارع الأسواق التي وصفها كانت هي البازارات عندي. عالمه كان عالمِي، مُترجمًا إلى الاسبانية. وقعتُ في حب هذه المعجزات الصغيرة، لا لسحرها ... بل لواقعتيها." وفِي مراجعته التي كتبها حول الرواية " قِصة موت معلن" لخص شهرة الروائي بعوامل يشترك فيها مع غابو: " أخبار صدور كِتاب ماركيز الجديد تحتل الصفحة الأولى من الجرائد الامريكية والاسبانية.  ينادي لاجلها الباعة الجوالون في الشوارع لبيع النسخ. وينتحر النُقاد لعدم وجود تغرة فيها." وقال عنه رشدي: " الملاك غابريل (جبريل)." وهي إشارة إلى مدى تأثره بغارسيا ماركيز في روايته " آيات شيطانية" التي أطلق على بطلها " الملاك جبريل."
بحلول ذلك الوقت، ربح غابو جائزة النوبل. وصار له ناشر أمريكي جديدKnopf. وفي واقعة نادرة، تم اصدار روايته " وقائع موت معلن" كاملة في العدد الأول من مجلة Vanity Fair، في عام 1983، عندما صار ريتشارد لوك رئيس التحرير. لوك وأكساندر ليبرمان-مدير التحرير في conde nast، طرحا رسوما مصاحبة للرواية من أعمال بوتيرو، رسام البورتريه الكولومبي. والاعجاب بالكاتب صار عالميًا. لقد كان الأديب الذي من الممكن أن يقع الجميع في حبه.
الجميع فعل، باستثناء ماريو فارغاس يوسا. لقد كانا صديقان لسنوات عديدة: وكِلاهما كاتبان من أمريكا اللاتينية يعشان في برشلونة، كاتبان شهيران من حركة إل بوم el boom، وزبونان لكريمان بالسيلز. ولذيّ زوجتهما مرسيدس وباتريسا صداقات اجتماعية. وبعد ذلك حدثت المُشاجرة. في عام 1976، في مدينة ميكسو، حَضَر غارسيا ماركيز عرض فيلم La Odisea de los Andes الذي كان قد كتب نصه فارغاس يوسا. ولما لمح غارسيا صديقه، وذهب لمعانقته. قام فارغاس بلكمه على وجهه، واطاح به أرضًا وتركه بعين مزرقة.
قالت بالسيلز: " وبعد ذلك قال غارسيا ماركيز، والأن قد لكمتني وأطحت بي أرضًا، لماذا لا تخبرني عن السبب" متذكرة الحدث. ومنذ ذلك الحين، كل المهتمين بالأدب في أمريكا اللاتينية تسؤلوا حول السبب. وفي احدى القصص، أن ماركيز قال لصديق مشترك لهما بأن باتريسا أقل من جميلة. وفي قصة تانية بأن باتريسا كانت تشك في أن لدى ماريو عشيقة، ولما طلبت من غابو أن يخبرها بما عليها فعله، نصاحها غابو بأن تنفصل عنه.
ولكن فارغاس يوسا لم يقل شيئًا غير أن ذلك حصل بسبب " مشاكل شخصية."
" كاتبًا أخر قال إلى ماريو، كنّ حذرًا،" تذكرت بالسيلز. " فأنت لا تريد أنّ تكون معروفًا بالرجل الذي أطاح بمؤلف مائة عام من العزلة." 
 لمدة أربعة عقود، رفض فارغاس يوسا رفضًا صارمًا أن يناقش هذه الحلقة، وقد قال بأنه وغابو قد عقدا "معاهدة" أن ترافقهما هذه القصة حتى القبر. لكن في حوار له مؤخرًا حول صديقه ومنافسه، تكلم فارغاس يوسا-وهو بنفسه حائز على جائزة النوبل- عنه بمودة وحول ما عناه غارسيا ماركيز له، منذ أول لقاء له مع روايات غابو (في باريس، وبالترجمة الفرنسية) إلي لقاءهم الأول في مطار كاركاس، في عام 1967، وحتى سنواتهما صحبتهما في برشلونة، إلي خطتهما المشتركة في كتابة رواية حول الحرب التي جرت بين البيرو وكولومبيا سنة 1828. وقد تكلم حول Cien Años de Soledad "مائة عام من العزلة"، والتي قرأها وكتب عنها " فورًا، فورًا." عندما وصلته كركلوود، شمال لندن، بعد أسابيع من إصدارها. " لقد كان هذا الكتاب الذي أسهم في نشر القراءة باللغة الاسبانية ليصل المثقفين والقراء العاديين بسبب أسلوبه الواضح والشفاف. وفي نفس الوقت، كان الكتاب يمثل جدًا: الحروب الاهلية في أمريكا اللاتينية، والصراع الطبقي في أمريكا اللاتينية، وخيال أمريكا اللاتينية، وحبهم للموسيقى، كل الألوان كانت في الرواية، حيث امتزج الواقع في الخيال بطريقة مثالية." ولكن حول مشاجرته مع غابو واكتفى بقول، " هذا سر سأقدمه لكاتب سيرتي الذاتية المستقبلي."


الجواز المثالي:



سوف تعرف كاريمان بالسيلز دومًا بأنها الوكيلة التي مثلت كاتب مائة عام من العزلة. التقت معها في برشلونة، مع فهمها بأنها ستكون الشخص الذي، يتكلم بصفة عنوان كتاب سيرة غابو الذاتية " عشتُ لأروي."
لقاءنا، وكما سيتضح، سوف يأخذ انحرافا ماركيزي. كنا جالسين على الطاولة الكبيرة في الصالة، مِثل شقة كلاسيك سيكس في بارك افيون. نصبت لوحة عملاقة لبالسيلز وقد رسمت منذ سنوات مضت على الحائط-نفس العيون المندفعة، ونفس الفك القوي، وكان يبدو كما لو أنّ بالسيلز الأصغر حاضرة معنا، أيضًا، تشهد على القصة الطويلة حول علاقة الوكيلة بكاتبها. العلاقة التي أطلق عليها " un matrimonio perfecto الجواز المثالي"
لقد أخبرتها بأني قد عملتُ كمحرر لي فارار شتراوس اند جيرو. وقالت " أها!" واضفت " لدي ذاكرة فوتوغرافية للوجوه، ولا شك في أنني كنت قد رأيتُ وجهك حين ذهبتُ لرؤية روغر "ناشر عند شترواس،" ووجهك مازال كما هو منذ ذلك الحين."
"ولأنني قابلتك من قبل، فبوسعك أنّ تسألني أي سؤال تريد أن تطرحه،" واستمرت بالكلام، وقد تكلمنا لما يقارب الساعة ونصف. وبما أنها وكيلة، فقط وضعت شروط للمحادثة. وقالت لي، (" ولكن ليس لأجل مقالك") ما الذي دفع ماريو لضرب غابو في تلك الليلة في عام 1976. وقد فسرت، (" لكن عدني بأن لا تنشر المقال حتى موتي." وكيف قامت باستدانة مائة عام من العزلة ومرة بعد أخرى لأجل " صنع عقد صفقات سرية" مع ناشرها العالمي، معطية لهم الحقوق بشرط أن يعدلوا عقودهم على كتب غابو، حتى تعود تلك الحقوق إلى الوكالة.
وتكلمت بلا شروط حول الوكالة. وقالت: " لقد تقاعدت في عام 2000، وقد بقي العمل مرتبط بثلاثة: ابني، والرجل الذي يقوم يحرر العقود، (وشخص أخر). ولكن كان عليّ العودة، بسبب الديون، والخسائر." وقد وصفت تعاملها مع اقوى وكيل ناطق باللغة الانجلزية: " لقد كان اندرو ويلي واحد من أكثر لأشخاص الذين أرادوا أن يشتروا الوكالة لأكثر من عشرين عام. وقد كان يجب أن يتم ذلك منذ ستة شهور مضت. كان اندرو هنا مع سارة، نائبته، ومعه ناشر أخر والذي صار وكيلًا..." وقد هزت رأسها، ولم تستطع أن تتذكر اسم كريستوبال بيرا، والذي كان يدير شركة Penguin Random House group في مكيسكو قبل أن يشارك ويلي في شهر أغسطس الماضي.
في شهر مايو عام 2014، وقعت كارمن بالسيلز مذكرة تفاهم مع ويلي بشأن بيع الوكالة، وأعلنت مجلة التايمز بأن الصفقة انتهت. وثقت بالسيلز بوضوح في ويلي بشكل كافي لتصل الأمور لهذا المنحى. فلماذا انتهت الصفقة؟ لأن، بالسيلز قالت، بان ويلي سوف يغلق مقر الوكالة في ديوجنال في برشلونة وينقل وكالة بالسيلز إلى مكتب ادارته في نيويورك، ولندن. وهذا الذي كانت تعترض عليه بقوة. وبدأت تعيد النظر إلي العروض الأخرى: الوكيل الأدبي اللندني أندرو نورنبرغ، والذي قام بتمثيل كتاب أخرين مِثل هاربر لي إلي طارق علي. (وكذلك جاك كولنز) ومن ريكاردو كافاليرو، الذي كان يدير سابقًا Mondadori في إيطاليا واسبانيا.
وقد قالت لي " ثلاثة عروض وكلها مثيرة للاهتمام، لكن العملية متوقفة، لأن أحد منهم لم يكن جيد بما فيه الكفاية." وبعد ذلك بقليل وصل محاميها الخاص وقد حاولت معه تنسيق الأمور. وقد اعترفت لي بأكبر مخاوفها: أن تخون كُتَابَهَا. وهل الاحتياج إلي وكيل جديد من الممكن أن يغطي على احتياجات هؤلاء الكتاب." ولتكون وكيلًا أدبي: فهي مهنة متواضعة جدًا، لكنها مهمة جدًا بالنسبة إلي الكاتب. إنه الوضع الذي عليك فيه اتخاذ القرار الصحيح لعملائك. والمشكلة أن الأنا (عند الوكلاء) قد تقف في طريقهم. ومن المهم أنّ يكون الوكيل هو شخص، شخص واحد. وليس أمر متعلق الربح المادي."
ما الذي كان يعنيه هذا؟ اندرو ويلي لا يريد الكلام حول النقاشات التي دارت بينهما. لهذا فأن كلمة بالسيلز قد تكون الكلمة الأخيرة. بالنسبة لها، كان هذا يعني شيء أخر، بحضور الوكيل في حياة الكتاب. والشخص الذي يجب أن يكون هناك في تلك اللحظة التي يختفي منها ما أطلقت عليه" الحضور الساحر للفنان."
اخدتني نحو المصعد، وهي تتحرك برشاقة فوق كرسيها. وقد قبلت يدي عند الانفصال. وبعد سبعة أسابيع من ذلك، لقد ماتت بسقطة قلبية، اثناء تواجدها في شقتها في برشلونة. ورغم عمرها المُتقدم، فقد جاء موتها كمفاجئة في عالم النشر. وبوفاتها فقط اصبحت، مِثل كاتبها الساحر، حاضرة تمامًا، مِثل الشبح الذي يطارد الكفاح لأجل وكلاتها، وميراث غابو الأدبي.
من الذي سيمثل مائة عام مِن العزلة؟ الأن، لا أحد يعلم. لكن أل بوينديا وقريتهم، ماكوندو، ليسوا بحاجة لمن يمثلهم: نحن احفادهم، وهم حاضرينا معنا، كما يحي سرب من الفراشات الصفراء على صفحات رواية غابريل غارسيا ماركيز الساحرة.

   

المصدر: http://www.vanityfair.com/culture/2015/12/gabriel-garcia-marquez-one-hundred-years-of-solitude-history
التاريخ السري لمائة عام من العزلة التاريخ السري لمائة عام من العزلة Reviewed by Roya Shaban on 11:42 ص Rating: 5

ليست هناك تعليقات:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.